عندما تتكلم الإرادة: رحلة تعافي الطفل محمد من أثر الفقد

يعيش الطفل «محمد» في ظروف معيشية ونفسية صعبة، بعد أن فقد منزله نتيجة الأحداث التي تعرضت لها أسرته، كما فقد والده الذي استشهد أمام عينيه. شكّل هذا الحدث تجربة صادمة وقاسية تركت أثرًا واضحًا على حالته النفسية وسلوكه وتواصله مع الآخرين.

بعد استشهاد والده، لاحظت الأسرة تغيرًا كبيرًا في حالة الطفل؛ فقد أصبح أكثر انطواءً وصمتًا، وظهرت لديه مشكلة واضحة في الكلام تمثلت في التلعثم والتأتأة، كما أصبح يجد صعوبة في التعبير عن نفسه ومشاعره، حتى أنه في بداية حضوره لم يكن يتحدث تقريبًا.

وخلال إحدى الجلسات، عبّرت والدة الطفل عن مدى التغيير الذي طرأ على ابنها بعد الحادثة، قائلة:

«ابني تغيّر بعد ما شاف والده استشهد قدام عينيه، وكأنه بعد هذه الحادثة ارتبط لسانه، واختلفت حياته بالكامل.»

ومن خلال الملاحظة المهنية للأخصائية النفسية، تم التعرف على حاجة الطفل إلى الدعم النفسي، وتم دمجه في جلسات الدعم النفسي المناسبة لعمره وحالته، مع الحرص على توفير مساحة آمنة يشعر فيها بالأمان والثقة، دون الضغط عليه للحديث أو التعبير قبل أن يكون مستعدًا لذلك.

على مدار خمس جلسات، تم العمل مع الطفل تدريجيًا من خلال أنشطة تفاعلية وأساليب مناسبة للأطفال، والتعبير بالرسم، والاسترخاء، وركزت الاخصائية على تعزيز الشعور بالأمان، وبناء الثقة، وتشجيعه على التعبير عن مشاعره وأفكاره، والتفاعل مع الأخصائية والمشاركة في الأنشطة.

ومع استمرار الجلسات، بدأت تظهر تغيرات إيجابية وملحوظة في حالة الطفل؛ حيث انتقل تدريجيًا من الصمت والانسحاب إلى المشاركة والتفاعل والحديث داخل الجلسات. وأصبح أكثر قدرة على التواصل والتعبير عن نفسه، وبدأ يستعيد جزءًا من تفاعله الطبيعي بعد الفترة الصعبة التي مر بها.

وبناءً على المتابعة والملاحظة، تبين أن الطفل لا يزال بحاجة إلى تدخل متخصص لمشكلة التأتأة والتلعثم، ولذلك قامت الأخصائية النفسية بإحالته إلى مستشفى الشفاء – قسم علاج النطق، لاستكمال التقييم والحصول على التدخل المتخصص المناسب، مع ضمان استمرارية الرعاية والدعم الذي يحتاجه الطفل.

الأثر والنتيجة

تمكن الطفل خلال فترة التدخل النفسي من تحقيق تقدم ملحوظ في التفاعل والتواصل والمشاركة والتعبير عن نفسه. ورغم قسوة التجربة التي مر بها وفقدانه لمنزله ووالده، ساعد توفير بيئة آمنة وداعمة له على البدء في استعادة قدرته على التواصل والتفاعل مع الآخرين.

وتُظهر هذه الحالة أهمية التدخل النفسي المبكر، والملاحظة المستمرة لاحتياجات الأطفال المتأثرين بالصدمات، والإحالة إلى الخدمات المتخصصة عند الحاجة، بما يضمن حصول الطفل على دعم متكامل يساعده على التعافي والتكيف مع الظروف التي مر بها.