قصة نجاح: عندما تحوّل الطفل الأكثر صعوبة إلى نموذج يُحتذى به
قصة نجاح: عندما تحوّل الطفل الأكثر صعوبة إلى نموذج يُحتذى به
خلال الزيارات الميدانية في مخيم الأمل (3)، تم التعرف على طفل يبلغ من العمر (12) عاماً، كانت سلوكياته تشكل تحدياً حقيقياً ليس فقط لأسرته، بل للمجتمع المحيط به داخل المخيم، فمنذ اللحظة الأولى كان واضحاَ أن الطفل يحمل أعباءً نفسية كبيرة انعكست على سلوكه بصورة ملحوظة.
أظهر التقييم الأولي مجموعة من المشكلات السلوكية والانفعالية، تمثلت في فرط الحركة، والعصبية الشديدة، والسلوك العدواني، إضافة إلى استخدام العنف اللفظي والجسدي كأسلوب رئيسي للتواصل مع الآخرين، خاصة مع الأطفال الأكبر سناً، وكانت أغلب مواقفه اليومية تنتهي بالمشاجرات أو الاعتداء على الآخرين، حتى أصبح معروفاً داخل المخيم بأنه “الطفل المشاغب” الذي يخشاه الأطفال ويتجنبون اللعب معه.
ورغم صعوبة الحالة، آمنت الاخصائية بأن خلف هذه السلوكيات طفل يحتاج إلى من يفهمه، وليس إلى من يعاقبه فقط، لذلك تم إدماجه في برنامج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن خطة تدخل مدروسة تراعي احتياجاته النفسية والسلوكية، وتستهدف بناء علاقة قائمة على الثقة والاحتواء.
منذ اللقاء الأول، ركزت الاخصائية على خلق بيئة واضحة وآمنة للطفل من خلال وضع قواعد سلوكية متفق عليها مع جميع الأطفال، مع شرحها بطريقة تناسب أعمارهم، وإشراكهم في الالتزام بها، وقد كان هذا الإطار المنظم نقطة الانطلاق في رحلة التغيير.
ولأن تعديل السلوك لا يتحقق بالتوجيه المباشر وحده، اعتمدت الاخصائية على مجموعة من الأساليب السلوكية المبنية على أسس علمية، شملت الإطفاء للسلوكيات غير المرغوبة، والتعاقد السلوكي، والتعزيز الإيجابي للسلوك المرغوب، واستخدام التعزيز السلبي والعواقب التربوية المناسبة، مع الحرص على تطبيقها بصورة ثابتة ومتسقة في كل لقاء، احتاج ذلك إلى متابعة دقيقة، وصبر كبير، وتقييم مستمر لاستجابة الطفل، مع تعديل الأساليب بما يتناسب مع تقدمه.
ولتعزيز شعوره بالمسؤولية والانتماء، لم ينظر إليه على أنه “مشكلة”، بل منح فرصة ليكون جزءاً من الحل، فقد تم تكليفه بدور قائد للمجموعة في بعض الأنشطة، كما أُسندت إليه مسؤولية متابعة نظافة المكان وترتيب الأدوات، وهي مهام هدفت إلى تنمية إحساسه بالثقة والمسؤولية وإبراز قدراته الإيجابية أمام أقرانه.
في بداية البرنامج، لم يكن التغيير سهلاً، فقد كان الطفل يختبر حدود القواعد باستمرار، ويعود أحياناً إلى سلوكياته العدوانية، مما تطلب من اللأخصائية التعامل معه بهدوء واتساق، دون استسلام أو استخدام أساليب عقابية قاسية، كان كل لقاء يمثل فرصة جديدة لبناء الثقة، وتعزيز أي سلوك إيجابي مهما كان بسيطاً، وإعادة توجيهه كلما أخطأ، حتى أصبح يشعر بأن هناك من يؤمن بقدرته على التغيير.
كما حرصت الاخصائية على توظيف الأنشطة النفسية والاجتماعية بصورة علاجية، حيث شارك الطفل في أنشطة الرسم، والرقص، والدبكة الشعبية، والإنشاد، والألعاب التعاونية والتنافسية الهادفة، والتي وفرت له وسائل آمنة للتعبير عن انفعالاته، وتعلم مهارات التعاون، وضبط النفس، واحترام القواعد، والتواصل الإيجابي مع الآخرين.
ولأن نجاح التدخل مع الطفل لا يكتمل دون الأسرة، تم استدعاء والدته وتنفيذ جلسات إرشادية ركزت على مساعدتها في فهم أسباب سلوكيات ابنها، وتعريفها بأساليب التربية الإيجابية، وكيفية استخدام التعزيز، ووضع الحدود بطريقة تربوية بعيدة عن العنف أو التوبيخ المستمر
كما قام الفريق بزيارة الأسرة داخل المخيم، والعمل مع أفرادها على توحيد أساليب التعامل مع الطفل، وخلق بيئة منزلية أكثر دعماً واستقراراً، بما يضمن استمرار التغيير خارج جلسات البرنامج.
ومع مرور الجلسات، بدأت نتائج التدخل تظهر بصورة تدريجية ولكن واضحة، فقد انخفضت السلوكيات العدوانية بشكل ملحوظ، وأصبح الطفل أكثر قدرة على التحكم في انفعالاته، واحترام القواعد، والتعاون مع زملائه، والمشاركة في الأنشطة دون افتعال المشكلات، وتحولت لغة الحوار لديه من الضرب والإهانة إلى التفاعل والكلمة، وأصبح أكثر تقبلاً للتوجيه وأكثر قدرة على تكوين علاقات إيجابية مع الأطفال.
ولم يقتصر أثر هذا التغيير على الاخصائية والأسرة فقط، بل أصبح ملحوظاً على مستوى المخيم بأكمله، فقد لاحظت إدارة المخيم التحول الكبير في سلوك الطفل، وبادرت بالسؤال عن الأساليب التي تم استخدامها معه، بعد أن كان من أكثر الأطفال إثارة للمشكلات، ليصبح من الأطفال الأكثر التزاماً ومشاركة داخل الأنشطة الجماعية، وكان هذا التغيير حقيقية على أثر التدخل المهني المنظم، واستمرارية العمل مع الطفل وأسرته.
أسهم التدخل النفسي والاجتماعي في تحقيق نتائج على المستويين الفردي والأسري، تمثلت في:
- انخفاض ملحوظ في السلوكيات العدوانية اللفظية والجسدية.
- تحسن القدرة على ضبط الانفعالات والالتزام بالقواعد.
- زيادة روح التعاون والمشاركة مع الأقران.
- تنمية الشعور بالمسؤولية من خلال تكليفه بأدوار قيادية داخل المجموعة.
- تحسن العلاقة بين الطفل وأسرته نتيجة تطبيق أساليب التربية الإيجابية.
- تعزيز ثقة الطفل بنفسه وشعوره بأنه قادر على النجاح والاندماج.
- ملاحظة التغيير من قبل إدارة المخيم والمجتمع المحيط، مما يعكس استدامة أثر التدخل خارج إطار الجلسات.

